طرق للعلاج النفسى الحديث

:الخلوة العلاجية … و التأمل 

   

تزداد حاجة الناس في هذا العصر إلى طرق وأساليب سهلة ومبسطة نابعة من البيئة والتراث يمكن اللجوء إليها عند الشعور بالتوتر والقلق والإحباط، وعند مواجهة الضغوط والمشكلات التى تحتاج الى الاسترخاء والهدوء وإعادة تنظيم التفكير .. بل وإعادة برمجة العقل حتى يصل الفرد الى إعادة صياغة وترتيب افكاره واهدافه ، وايضاً الى تخلصه من الاضطرابات النفسية والانفعالات السلبية الناتجة عن ضغوط الحياة ومشاعر الإحباط والفشل واختلال التوازن والقدرة على التوافق النفسى والاجتماعى.
وتتضمن الخلوة العلاجية أيضاً تدريب الشخص على التخلص من الأفكار السلبية الانهزامية المعوقة والمخاوف والوساوس المزعجة والمواقف والذكريات المؤلمة , بحيث يصل الى درجة أن يأمر ذهنه بالتوقف فوراً عن التفكير فى هذه الأفكار السلبية أو أن يطردها من ذهنه ويحل محلها أفكاراً إيجابية تشحن طاقاته النفسية وتحفزها للإنطلاق من جديد فى الإتجاه الصحى السليم وتكمله مشوار الحياة بعزيمة وإرادة لا تلين .
*****
والخلوة بما تحتويه من تأمل وتخيل وحوار ذاتى – وجميعها عوامل فكرية – تساعد على تعديل انفعالات الفرد وسلوكه.
ولقد ثبت بالعديد من الأدلة التجريبية والإكلينيكية أن العوامل الفكرية التى تشمل التفكير والتخيل والتصور والاستنتاج والتوقع تتصل وتؤثر فورًا على مراكز الانفعال بالدماغ التى تفرز بالتالى عددًا من الهرمونات والمواد الناقلة العصبية المسببة للتوتر والتغيرات الفسيولوجية المصاحبة له.
ومن هرمونات التوتر المعروفة هرمون الادرينالين الذى يؤدى افرازه إلى توتر العضلات وخفقان القلب وارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل التنفس، واتساع حدقة العين، ونقل كميات كبيرة من السكر من الكبد إلى الدم حتى تتوفر الطاقة والوقود للمعركة التى استعد لها الجسد بأمر من مراكز الأنفعال تحت تأثير العوامل الفكرية المخيفة والمهدده، ويصاحب هذه التغيرات أيضًا تعطل عمليات الهضم واضطراب افراز العصارات المعدية والمعوية.
ولا يشترط لحدوث التغيرات الجسمانية الانفعالية المذكورة وجود خطر حقيقى أو معركة فعليه بل أنها تحدث أيضا بدرجة أقل ولكن لفترات أطول فى حالة انشغال الفرد بعوامل فكرية سلبية لفترات طويلة فالشخص الذى يتوقع الخطر أو الذى يقلق ويضطرب نتيجة أفكاره ومبالغاته الانفعالية ومخاوفه غير الواقعية، كذلك الذى يقول لنفسه عبارات سلبيه متشائمة انهزامية مثل (أنا فاشل) أو (أنا غير مقبول) أو (لا يمكن أن أنجح) .. إلخ، كل هؤلاء يعانون من التوتر المستمر والتغيرات الجسمانية الانفعاليه إلى جانب الصراع النفسى وأعراض الاضطرابات النفسية المختلفة. ولقد أثبتت تجارب “دولارد” “وميللر” وغيرهما أن الإنسان إذا فكر أو تخيل أو توقع شيئًا مخيفًا فأنه يخاف بالفعل وأن أعراض الخوف النفسية والجسمانية تبدأ بالظهور عليه بعد دقائق معدودة، وقد أمكن تسجيلها بأجهزة دقيقة مما يثبت أننا عندما نفكر أو نتخيل بطريقة خاطئة تتغير حالتنا النفسية وقدراتنا الذهنية وجميع وظائف أجسامنا دون أن ندرى. لذلك فأن الشخص إذا استطاع خلال جلسات الخلوة أن يستبدل العبارات السلبية الانهزامية التى يقولها لنفسه طوال الوقت بأخرى إيجابية متفاءله، وإذا استطاع أن يأمر ذهنه بطرد كل فكرة سلبيه خاطئة تدعو إلى الخوف وهزيمة الذات فإن ذلك سوف يخفض من إثارة مراكز الانفعال ويحمى الفرد من عواقب السلوك الانفعالى واضرارة.
وتساعد الخلوة العلاجية الشخص على التدريب على ضبط الانتباه والتحكم فيه.. وبتكرار ممارسة جلسات الخلوة يكتسب الفرد قدرة أكبر على طرد الأفكار الهدامة وتحويل انتباهه وتركيزه إلى شئ آخر مضاد يحقق له الطمأنينة والهدوء والسكينة مثل ذكر الله أو الدعاء.
وبعد فترة من ممارسة الخلوة يشعر الشخص بسهولة التخلى عن التفكير السلبى والاندماج القهرى فى الأفكار والمواقف المؤلمة.
كذلك يفيد ذلك التدريب الشخص على التحكم فى درجة التهيؤ الذهنى.. بالتركيز على موضوع إيجابى مرغوب بوضعه فى بؤرة الوعى والشعور مع استخدام التكرار والترديد بأسلوب يماثل التسميع الذاتى الذى يستخدمه الطلاب لإبقاء معلومة معينة فى حالة نشطة فى الذاكرة. ويرى بعض علماء النفس أن أصحاب القدرات والمهارات الفائقة يحققون قدراتهم الخارقة بتكرار تركيز الانتباه والتهيؤ الذهنى وحصر التفكير فيما يريد ذلك الشخص إنجازه.
*****
وتلتقي فكرة الخلوة العلاجية وتتفق مع آراء بعض علماء العلاج النفسي الحديث، فيرى “كارل روجرز” أن قدرات الإنسان على تنمية ذاته وتوجيهها حقيقة ممكنة نظريًا وعمليًا، وأن الإنسان يستطيع تعديل سلوكه بإتباع أسلوب علمي منظم، كما يرى “آرون بيك” مؤسس مدرسة العلاج النفسي المعرفي أن أسباب أي اضطراب نفسي تكون نتاج عوامل فكرية يمكن تعديلها وأن أي اضطراب نفسي تسبقه غالبًا أفكار مشوهة انهزامية أو معتقدات ووجهات نظر خاطئة تسبب لذلك الشخص الشقاء والهزيمة الذاتية.
ويعتقد “ألبرت إليس” مؤسس مدرسة العلاج العقلاني الانفعالي أن الإنسان إذا تخلى عن معتقداته الخاطئة وإذا خلص ذهنه من الأفكار الخاطئة ومن أساليب التفكير المتحيزة غير العقلانية مثل التعميم الخاطئ والتطرف فى الحكم والتعصب وجمود التفكير والمبالغة استطاع أن يتخلص من كثير من مشاكله الانفعالية.
ونلتقي فكرة الخلوة العلاجية أيضًا مع أراء عدد من مشاهير علماء النفس السلوكي أمثال “كوتلا” و”سالتر” و”باندورا” فى أن الاسترخاء – وهو أحد العوامل الهامة فى جلسات الخلوة العلاجية – يغير من طريقة إدراك الشخص للبيئة ويجعلها أقل تهديدًا، كما أنه يخفض فورًا من النشاط الانفعالي المصاحب للتوتر العضلي.
كذلك يعتبر علاج الخلوة تأكيدًا لأهمية الدين فى العلاج النفسي حيث نشرت فى الفترة الأخيرة العديد من الدراسات في هذا المجال نذكر منها دراسات “لانرت” التي نشرت في مجلة علم النفس الإنساني عن أثر الإيمان والاعتقاد الديني في حياة الإنسان وصحته النفسية والذي أكد فيها ضرورة اهتمام الأطباء والأخصائيين النفسيين بهذا الجانب وعدم إهماله أو تجاهله.. أما “هارولد كونج” من جامعة ميسوري الأمريكية فقد أثبت من خلال عدة دراسات أثر الإيمان فى شفاء عدة أمراض نفسية وعضوية أيضًا خاصة دورة فى علاج الاكتئاب فى المسنين.. كما أثبت أن الارتباط بالدين وأداء الشعائر الدينية يزيد من عمر الإنسان حوالي سبع سنوات فى المتوسط.. وعلل ذلك بعدة احتمالات منها استمرار الحياة الزوجية المتوافقة وعدم اللجوء إلى الخمر والمخدرات وعدم الدخول فى علاقات شاذة غير شرعية.
تبدأ جلسة الخلوة العلاجية بإعداد وتجهيز المكان الملائم .. والذي يجب أن يتصف بالهدوء وعدم وجود ما يشتت الانتباه من ضوضاء أو أصوات أجهزة تليفزيون أو مذياع وخلافه .. وأن يوجد في هذا المكان مقعد مريح.. ومنضدة.. وساعة لتحديد الوقت.. ودفتر أو أوراق وقلم لتسجيل الأفكار والملاحظات.. ويفضل إغلاق جرس التليفون .
كما يجب أن يكون المكان مريحاً نظيفاً.. ويمكن تزويد المكان ببعض الزهور أو النباتات.
ومدة جلسة الخلوة 30 دقيقة.. يوميا أو 3 مرات أسبوعيًا ويقسم وقت الجلسة على خطواتها الثلاث بحيث تستغرق كل خطوة حوالي 10 دقائق تقريبًا.. ولكي يحقق الفرد التحسن المرغوب والتغير الإيجابي الذي يبقى لفترات طويلة يجب أن يمارس الخلوة العلاجية لمدة 3 شهور على الأقل. ولا تتعارض جلسة الخلوة العلاجية مع تناول العقاقير المهدئة أو المضادة للقلق أو الاكتئاب إلا إذا كان الشخص فى حالة تهدئه زائدة بسبب تلك العقاقير.
ويجب أن نشير إلى أن جلسة الخلوة يمكن أن تؤدى أيضًا إلى نتائج طيبة إذا لم تتوافر هذه الشروط جميعًا.. بل أن البعض استطاع أن يحقق فائدة جيدة من ممارسة الخطوة الأولى فقط من خطوات الخلوة وفى وقت أقل من نصف الوقت المذكور.
ويمكن إيجاز خطوات الخلوة العلاجية كالآتي:
الخطوة الأولى: ” الخروج من الدوامة ”
تهدف هذه الخطوة إلى:
‌أ- الخروج الفورى من التوتر والقلق والانفعالات غير المرغوبة بالاسترخاء والتنفس العميق ببطء.. ولمدة خمس دقائق تقريبًا.
‌ب- الخروج أيضًا من لعبة تبديد وإهدار الطاقات النفسية والذهنية بأن يصدر الشخص الأوامر لعقله ومخيلته بطرد جميع الأفكار الانهزامية السلبية وأن يطرد أيضا وبحزم أى تخيل أو تصور مكروه أو مزعج أو مخيف.
‌ج- إصدار أوامر للعقل بالتسامح والعفو (مع تكرار الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة التى تدعو لذلك).أو
الخطوة الثانية : ” التأمل والتشبع بالرضا ”
تهدف هذه الخطوة إلى:
‌أ- أن يتأمل الإنسان ويستعرض النعم الذى وهبه الله أياها.. وأن يستخدم مخيلته وذاكرته فى اجترار واستعراض هذه النعم.
‌ب- أن يكرر وهو يستعرض هذه النعم وما حققه من إنجازات – مهما كانت ضئيلة ومحدود – عبارة “الحمد لله .. الحمد لله”.
الخطوة الثالثة: ” شحن وتوجيه الإرادة ”
وتهدف هذه الخطوة إلى:
‌أ- تعديل الحوار الذاتي وما يقوله الفرد لنفسه أثناء الخلوة بحيث يصيغ جملاً وعبارات حماسية وإيجابية تغرس فى نفسه الحماس والعزيمة والأمل.
‌ب- إعادة صياغة الأهداف وخطوات تحقيقها… ويمكن أن يسجل الهدف المراد تحقيقه فى ورقة متابعة يحتفظ بها الشخص كنموذج لخطة عمل مبسطة تجعله يركز دائمًا على هدفه ويتجنب التشتت في المشاكل والمشاغل الجانبية وأن يراعى التدرج والاستمرارية بصبر لتحقيق ذلك الهدف وان يستعين بالدعاء وطلب العون والمدد من الله تعالى.
‌ج- كذلك فان الخلوة العلاجية تمثل فرصة لمناجاة الخالق سبحانه وتعالى وتأمل آيات كتابه العظيم وأحاديث رسوله الكريم.
*****
وتمهد كل خطوة من هذه الخطوات الطريق للخطوة التالية.. فالخطوة الأولى تخفض درجة التوتر والقلق والانفعالات غير المرغوبة فتسمح للذهن بالتأمل وغرس الشعور بالرضا.. والذي يؤدى بالتالي إلى مزيد من التحرر من الشحنات الانفعالية.. فتتحسن القدرات الذهنية وتزداد القدرة على التركيز والأداء الذهني والحماس والدافعية مما يضاعف من القدرة والإرادة لإنجاز الأهداف المرغوبة.
وتعتمد ممارسة خطوات الخلوة بالتفصيل على حالة الشخص وظروفه المختلفة لذلك تختلف الخطوات من حالة إلى أخرى،

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>